ابن الفارض

49

تائية ابن الفارض ( شرح القاشاني : كشف الوجوه الغر لمعانى نظم الدر )

الرقيب عن رؤية العين ) ، ومعنى هذا البيت من لطائف المعاني وغرائبها يكاد لدقّته يجلّ عن الإدراك ، والكشف عنه أنه بالغ في بطون ظاهره ، وظهور باطنه إلى حدّ يدرك سمع الرقيب حديث نفسه ، فأنزل أذنه منزلة القلب ، لدوران الفكر بها ؛ لأن الفكر لا يدور إلّا بعوالي القلب ، وإذا دار بعوالي أذنه صارت خلدا له من هذه الجهة ، حيث إنها تسمع ما لا يسمع إلا القلب ؛ لأنه يسمع الكلام الذهني ، ويغني سمعه في إفادة اليقين عن بصره ، بل يكون مسموعه مرئيّا لاندراج سمعه في بصره ، وأذن الرقيب يسمعه كذلك ويغني عن رؤية العين في إفادة اليقين فيما سمع من حديث النفس لهذا المحب بخلاف ما يسمع من حديث اللّسان ؛ لأنه ليس بكلام حقيقة ؛ إذ الكلام ما في القلب كما قيل : إنّ الكلام لفي الفؤاد وإنما * جعل اللّسان على الفؤاد دليلا وإذ كان الكلام يباشر القلب يفيد سمعه يقينا بخلاف سمع القلب ، لتوسط اللّسان الذي هو ترجمان القلب بينه وبين الكلام ، ولهذا قيل : ( العين صادقة والسمع كذاب ) . وفي بعض النسخ : ( بما يدور ) بدل ( بها ) ، فالباء للسببية ، و ( ما ) مصدرية تقديره : ( وصارت أذن خلدا لفكري بسبب دورانه حولها [ 53 / ق ] دورانا أغنت به عن رؤية العين ) ، ثم أخبر عن إخبار الرقيب بحاله ، وقال : فأخبر من في الحيّ عنّي ، ظاهرا * بباطن أمري ، وهو من أهل خبرتي يعني : لمّا اطلع الرقيب على سرّي أخبر من في قبيلة المحبّين أخبارا ظاهرا بما بطن ، والحال أنه من الواقفين على سرّي ، والخبرة هي العلم بباطن الشيء . ثم شبّه صورة حاله بمضمون قوله : كأنّ الكرام الكاتبين تنزّلوا * على قلبه وحيا ، بما في صحيفتي ( كأنّ ) حرف التشبيه يدلّ إما على تشبيه اسمها بخبرها ، نحو : ( كأنّ زيدا الأسد ) ، وتشبيه صورة الحال بمضمون جملتها كما في هذا الموضع ، و ( الكرام الكاتبون ) ملائكة مكرّمون يكتبون أعمال المكلّفين في صحائفهم ، ( والوحي ) إشارة غيبية يقذف اللّه تعالى بها علما في قلوب عباده ، أي ( أشبه صورة حالي التي اطّلع الرقيب عليها بأن الملائكة الذين يحصون أفعال الناس تنزّلوا على قلب هذا الرقيب لأجل الوحي بما ثبت في صحيفتي من الأفعال والأحوال والخواطر والضمائر ، فصار